ابن عجيبة
565
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال الكواشي : تمنى أن يعلم قومه أنّ اللّه قد غفر له ، وأكرمه ، ليرغب قومه في اتباع الرسل ، فيسلموا ، فنصح قومه حيا وميتا . وكذلك ينبغي أن يكون كل داع إلى اللّه تعالى ، في المجاهدة والنصيحة لعباد اللّه ، وألّا يحقد عليهم إن آذوه ، وأن يكظم كل غيظ يناله بسببهم . وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سبّاق الأمم ثلاثة : علي بن أبي طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون » « 1 » . ه . قال القشيري : قد أبلغ - حبيب الوعظ ، وصدق النّصح ، ولكن كما قالوا وأنشدوا : وكم سقت في آثاركم من نصيحة * وقد يستفيد البغة المتنصّح « 2 » فلمّا صدق في حاله ، وصبر على ما لقى من قومه ، ورجع إلى ربه ، تلقّاه بحسن إقباله ، وآواه إلى كنف إفضاله ، ووجد ما وعده به من لطف نواله ، فتمنّى أن يعلم قومه حاله ، فحقّق مناه ، وأخبر عن حاله ، وأنزل فيه خطابه ، وعرف قومه ه . الإشارة : أحبّ الخلق إلى اللّه أنفعهم لعياله وأنصحهم لهم . وفي الحديث : « لئن يهدى اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم » « 3 » فينبغي لمن أراد الظفر بمحبة الحبيب ، وينال منه الحظوة والتقريب ، أن يتحمل المشاق في إرشاد عباد اللّه ، ويستعمل الأسفار في ذلك ، لينال عنده الجاه الكبير ، والقرب العظيم . حققنا اللّه بذلك بمنّه وكرمه . ثم ذكر هلاك قومه ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 28 إلى 29 ] وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ( 29 ) يقول الحق جل جلاله : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ أي : من بعد قتله ، أو رفعه مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ فيهلكهم ، وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ؛ وما كان يصحّ في حكمنا في إهلاك قوم أن ننزل عليهم جندا من
--> ( 1 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 492 ) بنحوه ، للطبراني ، وابن مردويه ، بسند ضعيف ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه . ( 2 ) البيت للعباس بن الفرج الرياشي . انظر : الكامل للمبرد ( 2 / 392 ) . ( 3 ) جزء من حديث شريف ، أخرجه البخاري في ( فضائل الصحابة ، باب : مناقب سيدنا علي بن أبي طالب ، ح 3701 ) ومسلم في ( فضائل الصحابة باب : من فضائل سيدنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، 4 / 1872 ، ح 2406 ) من حديث سهل بن سعد ، رضي اللّه عنه .